المقريزي

310

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

السّموات سبعا ، والأرضون سبعا ، والمثاني من القرآن سبع آيات ، ولم فجّرت العيون اثنتي عشرة عينا ، ولم جعلت الشّهور اثني عشر شهرا ، وما يعمل معكم علم « a » الكتاب والسّنّة ، ومعاني الفرائض اللازمة ؟ فكّروا أوّلا في أنفسكم : أين أرواحكم ، وكيف صورها ، وأين مستقرّها ، وما أوّل أمرها ، والإنسان ما هو ، وما حقيقته ، وما الفرق بين حياته وحياة البهائم ، وفضل ما بين حياة البهائم وحياة الحشرات ، وما الذي بانت به حياة الحشرات من حياة النّبات ؟ وما معني قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « خلقت حوّاء من ضلع آدم » ؟ وما معنى قول الفلاسفة : الإنسان عالم صغير ، والعالم إنسان كبير ؟ ولم كانت قامة الإنسان منتصبة دون غيره من الحيوانات ، ولم كان في يديه من الأصابع عشر ، وفي رجليه عشر أصابع ، وفي كلّ إصبع من أصابع يديه ثلاثة شقوق ، إلّا الإبهام فإنّ فيه شقّين فقط ؟ ولم كان في وجهه سبع ثقوب وفي سائر بدنه ثقبان ، ولم كان في ظهره اثنتا عشرة عقده وفي عنقه سبع عقد ، ولم جعل رأسه « b » صورة ميم ، ويداه حاء ، وبطنه ميما ، ورجلاه دالا ، حتى سار ذلك كتابا مرسوما يترجم عن محمد ؟ ولم جعلت قامته إذا انتصب صورة ألف ، وإذا ركع صارت صورة لام ، وإذا سجد صارت صورة هاء ، فكان كتابا يدلّ على اللّه ؟ ولم جعلت أعداد عظام الإنسان كذا ، وأعداد أسنانه كذا ، والأعضاء الرئيسة كذا ؟ إلى غير ذلك من التّشريح والقول في العروق والأعضاء ووجوه منافع الحيوان . ثم يقول الدّاعي : ألا تتفكّرون في حالكم وتعتبرون ، وتعلمون أنّ الذي خلقكم حكيم غير مجازف ، وأنّه فعل جميع ذلك لحكمة ، وله فيها أسرار خفيّة حتى جمع ما جمع وفرّق ما فرّق ؟ فكيف يسعكم الإعراض عن هذه الأمور وأنتم تسمعون قول اللّه عزّ وجلّ : وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الآيتان 20 ، 21 سورة الذاريات ] ، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [ الآية 25 سورة إبراهيم ] ، سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ الآية 53 سورة فصلت ] . فأيّ شيء رآه الكفّار في أنفسهم وفي الأفاق حتى عرفوا أنّه الحق ؟ وأيّ حقّ عرفه من جحد الدّيانة ؟ ألا يدلّكم هذا على أنّ اللّه جلّ اسمه أراد أن يرشدكم إلى بواطن الأمور الخفيّة ، وأسرار فيها مكتومة لو تنبّهتم لها وعرفتموها لزالت عنكم كلّ حيرة ، ودحضت كلّ شبه « a » ، وظهرت لكم المعارف السّنيّة ؟

--> ( a ) بولاق : عمل . ( b ) بولاق : عنقه .